رئيس التحرير

الإدارة الأمريكية تفاجئ الكثيرين وتطلب من سيلفاكير وقف دعم الحركات المسلحة السودانية

السبت 22-10-2016 12:29

كتب

بدا البيان الذي أصدرته الإدارة الأمريكية أمس مفاجئا للكثيرين، وقد طالبت خلاله جوبا بوقف دعمها للمعارضة السودانية؛ وفق مطلوبات مجلس الأمن الدولي بالرقم (2046)، خاصة في ظل تطورات العلاقة الثلاثية بين الخرطوم وجوبا وواشنطون. كما أن الاتهامات وفقاً لمراقبين ليست الأولى، فقد بثها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أول لقاء بينه ورئيس جنوب السودان في نيويورك في العام 2013، واندهش المسؤولون الأمريكان الحاضرون للاجتماع حينها لإنكار سلفاكير دعمه للحركات المسلحة السودانية، ما اضطر أوباما لعرض صور بالأقمار الصناعية تؤكد المزاعم. وكان رد سلفا وقتها أن على الولايات المتحدة أن تراجع التكنولوجيا التي استخدمتها لعملية الدعم، الأمر الذي أضحك الحاضرين ودفع المحللين للقول بأن سلفاكير سقط في امتحان المصداقية في أول لقاء بينهما، هذا بحسب تسريبات صحيفة ( النيويورك تايمز)، وتحدثت به ممثلة الأمم المتحدة السابقة، هيلدا جونسون.
حسناً، يأتي إعلان مارك تونر نائب المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض عبر بيان صحفي لهذه الاتهامات مجدداً، بمثابة كشف للحقائق وبصورة ناصعة وجلية، بحسب مراقبين. وبث المعلومات التي كانت تعلمها الولايات المتحدة منذ أمد بدا كما لو أنه رسالة ضغط على جوبا لإعادة حساباتها، في خضم مشكلاتها الداخلية، ليقرأ قادة الدولة الوليدة حروف الرسالة مباشرة بالنحو التالي؛ الأجدى والأهم الالتفات إلى معالجة مشكلات الجنوب الداخلية لا تصدير الأزمات إلى الجوار.
وبينما يقرأ محللون الخطوة على أنها مؤشر للذرى العلية التي بلغها غضب أوباما من سياسات دولة جاء مخاضها على يدي القابلة الأمريكية، فإن الاتهامات المباشره لجوبا -بحسب نفس المحللين- ربما تعكس من جانب آخر المناخ الإيجابي والمدى الذي بلغه التعاون بين الخرطوم وواشنطون بعدما استبدلا لغة العداء السافر بلغة المصالح المشتركة على المستوى الثنائي والمنطقة وعموم الإقليم. وكما تشير المعلومات فثمة تفاهمات لمحاربة الاٍرهاب في المنطقة ومراقبة الأوضاع في ليبيا ومناطق الجوار المضطربة.
حسناً؛ تؤيد الخرطوم في راهن المناصرة الأمريكية ما جاء في البيان، بينما تنتقد جوبا محتواه وتؤكد أن ما ورد فيه “غير صحيح”، قبل أن تتهم الإدارة الأمريكية بالسعي لـ”خلق مشاكل في دولة الجنوب وتغيير النظام”.
وبحسب متابعات (اليوم التالي) فإن المسؤولين السودانيين في المباحثات الثنائية مع واشنطون قدموا معلومات للجانب الأمريكي تؤكد ضلوع وتورط دولة الجنوب في دعم الحركات المسلحة السودانية، فيما وعدت الإدارة الأمريكية حينها بفحص الأدلة ومراجعة الأمر من جديد والتحدث في هذا الأمر مع الجنوب. عليه لن يكون نشازاً صوت أحد الملمين بدهاليز وأسرار العلاقة، الذي تحدث لـ(اليوم التالي) من موقع الهوية المخفية قائلاً إن البيان الأمريكي بلهجته (الحادة) تجاه جوبا ربما جاء باتفاق مع الخرطوم.. وبعبارة أخرى يروم محدثي القول إن العاصمة السودانية كانت على علم بالخطوة (الجادة) من قبل الإدارة الأمريكية.
وبالنسبة لإبراهيم غندور وزير الخارجية الذي اتصلت عليه (اليوم التالي) صباح أمس (الجمعة) فإن البيان الأمريكي أكد ما ظل يردده السودان على الدوام، أن جوبا تؤوي وتسلح وتدعم الحركات المسلحة السودانية، وهذا ما ظلت تنكره العاصمة الجنوبية في كثير من الأحيان.
ووفقاً لحادي دبلوماسية الخرطوم فإن ما جاء في البيان يؤكد أن الولايات المتحدة تهتم بالأمن والسلم في المنطقة، وتهتم وتتابع العلاقات ما بين السودان وجنوب السودان، مشيرا إلى أن “أمريكا لها قناعة بأن السلام بين البلدين مهم لكلاهما، وكذلك لكل دول المنطقة”.
ويسترسل غندور بالقول إن البيان يؤكد أن الحوار الجاري الآن بين الخرطوم وواشنطون قد أوجد مناخا من التفهم الصحيح لمجريات الأحداث والأوضاع في المنطقة، وطالب بناء على البيان حكومة الجنوب بالإسراع في إنفاذ ما تم الاتفاق عليه ووقعه  الرئيسان عمر البشير وسلفاكير بحضور أربعة رؤساء أفارقة بأديس أبابا في سبتمبر 2012، وجرى الاتفاق عليه والتوقيع عليه مرات لاحقة كثيرة في إطار تواصل بين اللجنة السياسية الأمنية المشتركة، التي يرأسها وزراء الدفاع، الخارجية، الأجهزة الأمنية، والشرطة في البلدين، وآخرها ما تم التوافق عليه في السابع من يوليو الماضي واجتماعات اللجنة الأمنية في 27 من الشهر الماضي في جوبا .
ووفقاً لوزير الخارجية فإن التزام السودان بإنفاذ كافة الاتفاقات أمرٌ محسوم، وأن الخرطوم شرعت في السابق في إنفاذها، متهماً جوبا بالتلكؤ في إنفاذ ما عليها من التزامات، ما أدى إلى توقف الاتفاقيات.
من جهته يقول كوال منيانق وزير دفاع جنوب السودان في حديثه لـ(اليوم التالي) بعدم صحة ما ورد في البيان الأمريكي، ويضيف: “نريد من أي شخص من الحركات المسلحة السودانية أن يذهب للسودان ولا نريدهم في أراضينا، وإلا سنجردهم من السلاح ويكونوا لاجئين”. ويمضى منيانق إلى القول بأنهم سيسمحون للقوات المسلحة السودانية خلال أسبوع أو أسبوعين بزيارة المناطق التي يشكون بوجود حركات مسلحة فيها، وشدد بالقول لا نريد حربا، ولا بد أن تكون الحدود بين البلدين آمنة، قبل أن يعاود نفياً مغلظاً ابتدر به حديثه إلى (اليوم التالي): “كلام الأمريكان ده ما صحيح”.
وكانت الإدارة الأمريكية بحسب منطوق بيان من الخارجية تلقفته الوكالات الإخبارية صباح أمس قد دعت دولتي السودان وجنوب السودان إلى الامتثال لالتزاماتهما بوقف إيواء أو تقديم الدعم لمتمردي البلدين، وحثت واشنطون بشكل خاص جوبا بوقف دعمها للمعارضة السودانية المسلحة وفق مطلوبات مجلس الأمن الدولي بالرقم (2046) الصادر في العام 2012.
وبحسب تأكيدات نائب المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض، مارك تونر فإن “تقارير موثوقة وذات مصداقية أشارت إلى أن حكومة جنوب السودان قامت بإيواء وتقديم المساعدات إلى مجموعات من المعارضة السودانية المسلحة”، مطالباً قادة جنوب السودان بـ”مضاعفة جهودهم لتلبية الالتزامات التي تم الاتفاق حولها مؤخراً مع السودان والتي بموجبها اتفق الطرفان على إنهاء دعمهما للجماعات المسلحة على جانبي البلدين”، مشيراً إلى “وجود المتمردين السودانيين في جنوب السودان ومشاركتهم في النزاعات الداخلية التي تشهدها تلك الدولة”، ما من شأنه أن “يقود إلى زعزعة الاستقرار في البلدين وعلاوة على ذلك يشكل انتهاكاً لبنود اتفاق تسوية النزاع في جنوب السودان”، داعياً جوبا إلى تأكيد ضماناتها بعدم قيام المعارضة المسلحة السودانية بعمليات عسكرية في جنوب السودان أو عبر الحدود مع السودان، قبل أن يطالب البلدين بالاحترام الكامل لاتفاق الترتيبات الأمنية الموقع في العام 2012 وسحب قواتهما من المنطقة الحدودية.
وفي ذات السياق أيضا، اتصلت الصحيفة بوزير الإعلام في جنوب السودان والناطق الرسمي باسم الحكومة مايكل مكواي الذي انتقد الولايات المتحدة، وقال إن الإدارة الأمريكية تسعى في كل مرة لخلق مشاكل لبلاده بغرض تغيير النظام، وكل المحاولات عندما تفشل تبدأ في خطة جديدة. ويشير مكواي إلى أن واشنطون سبق وأن حاولت تغيير النظام في الخرطوم، وفشلت، والآن لم تتمكن في الجنوب،  ويحاولون إشعال الفتنة بين الدولتين، مشدداً على أن بلاده “لا تحتضن أي جماعة معارضة مسلحة من السودان”، وقال: “قبل أكثر من شهرين حضر إلينا رئيس الحركة الشعبية في الشمال مالك عقار والأمين العام ياسر عرمان تحدثنا إليهما بأننا يمكن أن نتوسط بينهما وحكومة الرئيس عمر البشير متى ما وافق الطرف الآخر بذلك”، مضيفاً: “ظللنا نكرر مئات المرات لا توجد أي جماعة سودانية مسلحة على أراضينا”.
وطبقاً لمكواي الذي هاتفته (اليوم التالي) فإن حكومته “كانت تتوقع أن توجه الإدارة الأمريكية تحذيراتها ووجهة نظرها إلى الحكومة السودانية”، زاعماً أن غريمهم رياك مشار “قبل شهر وعلى الملأ أعلن المقاومة المسلحة ضد الحكومة الشرعية في جنوب السودان، ولكن لم نسمع أي رد فعل من واشنطون، التي تدعم الخرطوم ضدنا، ولا ندري لماذا تطالبنا بأشياء لا علاقة لنا بها؟”.
وأكد مكواي أن البيان الأمريكي غير موفق، وأن الحكومة السودانية وحكومة الجنوب منذ الشهر الماضي في اجتماعات مستمرة، وتم الاتفاق خلالها أن لا يدعم أي طرف معارضة الآخر، مؤكدا أن حكومة الجنوب بدأت التنفيذ، و”أننا أوقفنا الدعم، وأصلاً نحن حكومة حالته بالبلاء”، حسب عباراته، قبل أن يتساءل: “هل أوكلت حكومة الخرطوم واشنطون بالحديث نيابة عنها”؟.. مستنتجاً في تلخيص حديثه إن “واشنطون عايزة الدولتين يتشاكلوا عشان تقولو الدولتين فاشلين”.
وبحسب مراقبين استنطقتهم (اليوم التالي) فإن البيان الأمريكي “خطوة إيجابية لها ما بعدها”، ويشير هؤلاء إلى أنه يؤكد أن هناك مسارا والتزامات موضوعة لكل طرف من الأطراف، وفي حالة أوفى الجميع بالتزاماته قد تكون هناك نتائج مبشرة، وأشاروا إلى أن الخطوة ربما تعد ضغطا على حكومة الجنوب لإنفاذ ما عليها من التزامات.
واستبعد في ذات الوقت مراقبون التزام جوبا بطرد الحركات المسلحة لارتباطاتها التاريخية بالحركة الشعبية قطاع الشمال، وأضافوا أنها أيضا لن توقف الدعم لكون أن رئيس هيئة الأركان، الجنرال بول ملونق، هو المسيطر والمتنفذ في الجنوب مع آخرين، وقالوا حتى إن كان سلفاكير أصدر قرارا بوقف الدعم، فإن الجنرال لن ينفذ هذا القرار.
ويؤكد متابعون للموقف على الأرض أنه ما لم تكن هناك إرادة سياسية وجدية لن يقف الدعم، وأشاروا إلى أن زيارة تعبان دينق للخرطوم في أغسطس الماضي والتي طلب خلالها مهلة (21) يوما لم ينفذ ما تم الاتفاق عليه حتى الآن، وأكدوا أن المحك الأساسي هو تنفيذ الاتفاقية بين البلدين، وأشاروا إلى أنه عقب كل اجتماع يحدد موعد للإنفاذ لكن دون حدوث جديد، مما أدى إلى زعزعة الاستقرار وانعدام الثقة بين الأطراف، وطالبوا دولة الجنوب بإحداث شيء فعلي على أرض الواقع.

 

أميره الجعلي

اليوم التالي

اضف تعليق

كلمة الاستاذ علي محمود حسنين في ندوة حركة تحرير السودان مكتب لندن