رئيس التحرير

حاضر مغلق وماضٍ منفتح: المجتمع العربي من نافذة أبي نواس

الأربعاء 07-08-2019 08:16

كتب

اهتم الضابط والسياسي البريطاني وليام هارولد إنجرامز (1897- 1973) بعدة ثقافات وخدم في مناطق مختلفة، لكنه عرف كمستشرق من خلال عمله في اليمن. كان إنجرامز، المشارك السابق في الحرب العالمية الأولى، من أولئك الموظفين الاستعماريين الذين حاولوا الجمع بين عملهم الإداري والبحث العلمي المدفوع بالشغف والفضول.
سعى إنجرامز من خلال تجوله في عدن وحضرموت وغيرها من مناطق اليمن في أواسط الثلاثينيات إلى أواسط الأربعينيات، إلى تحويل عمله من النطاق السياسي المجرد إلى وسيلة لفهم المجتمعات والغوص في طرق تغييرها، بحيث تكون متوافقة مع ما يرى أنه قيم إنسانية. لحد ما يمكن تشبيه طموحات الرجل وأفكاره بزميله كرومر، وإن كان الأخير أكثر منه راديكالية.
كتب هذا الباحث الذي كان يهوى التنقل مرتدياً الزي المحلي عدة كتب حوت ملاحظاته حول المجتمعات التي زارها، منها كتاب حول لهجة زنجبار، وآخر حول تاريخ الأسرة الحاكمة فيها، وغيرها من الكتب الأخرى عن بلاد العرب أو اليمن، ولا شك أن لهذه الأبحاث دلالة مهمة على عمق اهتمام دوائر صنع القرار الاستعمارية بالمنطقة وقدم التفاتهم لاستراتيجية الجغرافيا اليمنية، وهو التفات يعود، كما كان يرى إنجرامز، إلى عام 1609 حين بدأ الغربيون يعون أهمية موانئ اليمن.
أصدر إنجرامز في عام 1933 كتاباً عن الشاعر أبي نواس: «الحياة والأسطورة». خرج ذلك الكتاب في وقت اضطربت فيه الثقافة العربية، وتعرضت فيه القيم لتساؤلات وتشكيك وتحدٍ بين النموذج الاستعماري، الذي يفرض نفسه، والذي يطالب بالتحرر، لا على المستوى السياسي، وإنما على مستوى الأخلاق والأسرة وبين نماذج أخرى محافظة تحرّض المجتمع على الثبات على ما هو عليه من قيم باعتبارها الأصلح والأفضل. كانت المدرسة الاستعمارية التي يمثّلها إنجرامز وغيره تحتفي احتفاء كبيراً بأبي نواس المعروف بأشعاره المحبة للخمر وبعشقه للغلمان. كان ذلك الاحتفاء يمثل حرجاً وضغطاً كبيراً على طبقة المثقفين التقليدية، التي كانت لوقت طويل تتحرج من ذكر بعض الأبيات التي سطرها أبو نواس، أو غيره من الشعراء في حب النساء والخمر والشهوات بأنواعها.
أخذ المستشرقون على عاتقهم عبء الكشف عما اعتبروه تراثاً عربياً مخفياً، معتبرين أن الهوية العربية لن تكتمل إذا كنا نحذف لأسباب أخلاقية بعض ما ورد في دواوين شعراء كبار مثل أبي نواس، كما دعوا لمواجهة هذا الماضي بشكل علمي محايد وبتسامح يشبه ذلك التسامح الذي ولدت فيه تلك الأشعار، وتلك الكتب التي تخصصت في وصف المرأة، وفي تفاصيل الجنس بدون أن يتعرض كتابها وقراؤها لخطر المساءلة أو العقاب. لم تكن هذه الدعوات تأتي فقط من المستشرقين، فقد تبنتها أسماء عربية مثل طه حسين، الذي دافع عنها معتبراً أن تدريس هذا التراث والتوقف عنده لا يعني دعوة الشباب لممارسة الفجور، ولخص لأفكاره تلك بعبارة قال في معناها إن العلم أفضل من الجهل، وإن رفض الحديث عن أمر ما لا يعني أنه غير موجود. لكن وجهة النظر الاستعمارية كانت أكثر عمقاً، فقد كانت تهدف لإقناع المجتمعات بأن هذا الورع الحديث وثقافة المنع والتحريم ليست كلها أموراً مرتبطة بهوية المجتمع ونابعة من دينه، بقدر ما أنها مجرد طوارئ، بدليل أن المجتمعات «السلفية» كانت أكثر انفتاحاً، أو بلغة العصر أكثر ليبرالية، من حيث ما كانت تمنحه من سلطة للمرأة ولدورها في المجتمع، قبل أن يدخل العرب عصر انحدار ساهم في تردي أوضاع المرأة وفي تحجير المجتمع.
لم يمل المستعمرون/ المستشرقون خلال العقود السابقة وفي المشرق العربي، كما في المغرب، من الطرق على هذه النقطة التي تعتبر أن هذه الأجواء المنغلقة وثقافة التابوهات ليست أمراً جوهرياً في الثقافة العربية، بقدر ما أنه أمر فرضته في الماضي ظروف سياسية واجتماعية تعاملت معها، خطأً، المجموعات الإحيائية والصحوية على أساس أنها من صميم الدين. لاحقاً ستكون الاتهامات أكثر مباشرة في وجه الحركات الإسلامية التي سيتم اتهامها من قبل المستشرقين ومن قبل المدرسة الليبرالية على السواء، باختطاف النطاق العام، عبر فرض لباس لا أصل له على النساء وقيم لا أساس لها على المجتمعات.

لم يكن من المصادفة أن يهدي إنجرامز كتابه عن أبي نواس إلى ريتشارد بورتون، الذي سبق له أن أنجز ترجمة للكتاب الأسطوري «ألف ليلة وليلة». بالنسبة للغربيين ظل كتاب «ألف ليلة وليلة» يلعب الدور الأكبر في عملية شحذ المخيلة الاستعمارية وتغذيتها بما تريد من الفانتازيا المرتبطة بالمرأة العربية، ومغامرات العاشقين التي خاضوها في مجتمع ذي باطن إباحي. كان هناك على الدوام إصرار استشراقي غير مبرر علمياً، على اعتبار أن «ألف ليلة وليلة» هي تمثيل واقعي للمجتمعات العربية، وذلك مشابه للسياق الذي عمل عليه إنجرامز، الذي جعله يعتبر أبا نواس ممثلاً للشخصية العربية. ما يزال أبو نواس مثيراً للجدل، لا بسبب مكانته الشعرية وقدراته اللغوية، ولكن بما كان يمثله من مجاهرة بتجاوز قيم العصر. يسترجع الغربيون اليوم تراث أبي نواس في ظل التوجهات والضغوط العالمية، التي تقودها مجموعات فكرية ومنظمات حقوقية أممية تهدف لإجبار المجتمعات على حذف مصطلح «الشذوذ الجنسي» من قاموسها. هذا التوجه العالمي يدعو لاحترام جميع الميول ووضعها على قدم المساواة فلا تعود ثمة هناك شهوات غير طبيعية. في ظل هذا الجو المشحون بالقيم الغربية المفروضة على العالم كطريقة مثلى للحياة، يتم الرد على العرب بالقول إنه إذا كان منبع الرفض ينبع من كون هذا غريباً ودخيلاً على ثقافتكم فإن التاريخ وكتب الأدب تخبر بعكس ذلك.
في زمن الزهو القومي شاع الافتراض القائل بأن الميل إلى المذكّر إنما وفد إلى العرب من الفرس، خاصة إبان العصر العباسي، الذي تنوعت فيه أساليب الترفيه والمتع الحسية. هنا يمكننا أن نلمس التأثر بما ذكره المستشرق الألماني آدم ميتز، الذي ذهب إلى ذلك في كتابه «نهضة الإسلام». وجهة نظر ميتز ذات الأصول الهشة لكن المرضية للعنفوان العربي، سرعان ما ستصبح محلاً للاستشهاد والتناقل بين كثير من الباحثين العرب، الذين سيذهب بعضهم للتركيز على أصول أبي نواس الفارسية، في حين لن يجد آخرون حرجاً في التأكيد على أنه لم يكن عربياً من الأساس، بل فارسياً وفارسياً متطرفاً، «شعوبياً».
في القرن العشرين ستسعى كثير من الكتابات الليبرالية العربية لإعادة الاعتبار للجنس وللإيروتيكية، مستندة إلى المقارنة بين واقع الكبت وماضي الانفتاح، وكثيراً ما ستتم الإحالة لأبي نواس، كما فعل أدونيس الذي سيصفه ببودلير العرب، وكما فعل من قبله صلاح الدين المنجد في كتابه «الحياة الجنسية عند العرب»، وفي كتبه الأخرى التي سيسهب فيها في التأكيد على مسلمة «الانفتاح» التاريخي العربية عبر سرد الوقائع الجنسية، التي تؤكد عدم تحرج النساء في الماضي من التعبير عن احتياجاتهن الغريزية، وأيضاً عبر التذكير بما ورد عن حب بعض الخلفاء وتفضيلهم للغلمان. لن يتوقف سيل الكتب الداعمة للتحرر الجنسي، والمؤكدة على فوائد الاختلاط بعد المنجد، وسيتواصل حتى اليوم ضمن معركة ضد آخرين يملكون رؤية وتعريفاً مغايراً لما يجب أن يكون عليه المجتمع.

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي