رئيس التحرير

السودان يفتح صفحاته الجديدة

الأربعاء 07-08-2019 08:09

كتب

بتوقيع المجلس العسكري السوداني وائتلاف المعارضة الرئيسي في العاصمة الخرطوم بالأحرف الأولى على الإعلان الدستوري الذي من شأنه أن يمهد الطريق نحو تشكل مجلس سيادة يدير البلاد خلال فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات تعقبها انتخابات عامة يكون السودان الشقيق قد طوى واحدة من صفحات الأزمة التي عصفت بالبلاد بعد إسقاط نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير الذي حكم السودان زهاء ثلاثة عقود كانت مليئة بالصفحات الدموية والمآسي الوطنية وعلى رأسها تشطير البلد إلى سودانين، فضلا عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي غاص السودان في أوحالها على مدى العقود الثلاثة الماضية. خلال الأشهر التي أعقبت سقوط نظام البشير كان السودان يمر بحالة مخاض خطيرة سقط خلالها عشرات من المواطنين السودانيين بين قتيل ومصاب، الأمر الذي جعل المواطن السوداني يضع يديه على قلبه تحسبا لما يمكن أن يكون أسوأ من ذلك.

كانت الهواجس من أن ينزلق السودان إلى نفس الهاوية التي سقطت فيها شعوب عربية أخرى، أو تمنت أن تنجز مرحلة انتقال سياسي بهدوء لكنها وجدت نفسها في بحور من الدماء والدمار والخراب، كما هو الحال في سوريا وليبيا حتى الآن، كانت تلك هواجس جدية، وخاصة بعد أن تولى جزء من القوات المسلحة السودانية مهمة إسقاط نظام البشير وأخذ زمام القيادة السياسية في البلاد، ورغم التأكيدات التي صدرت عن المجلس العسكري الانتقالي فيما يتعلق بالتوجه نحو حكومة مدنية تضم مختلف القوى السياسية السودانية، إلا أن الشكوك والخوف من نوايا العسكر كانت مسيطرة على المشهد في السودان، الأمر الذي جعل المفاوضات بين أطراف الأزمة تتعثر بين فينة وأخرى.

هناك عوامل كثيرة لعبت دورا مؤثرا في تعدي السودان حالة الخطر الحقيقية، رغم الخسائر البشرية التي دفعها أبناء شعبه خلال ما يعرف بالمرحلة الانتقالية، هذه العوامل ذاتية وموضوعية، أسهمت مجتمعة في تمهيد الطريق للوصول إلى النتيجة التي ترضي الجميع تقريبا. من العوامل الذاتية ذلك الإصرار والجدية من قبل أطراف الأزمة السودانية على تجنيب البلاد الانزلاق نحو الهاوية، والحيلولة دون إزهاق مزيد من أرواح المواطنين السودانيين، وجعل مصلحتهم ومصلحة الوطن بشكل عام فوق جميع الحسابات.

إلى جانب هذه العوامل الذاتية هناك عوامل موضوعية تمثلت في تكثيف الحضور الإفريقي على خط الأزمة وتحلي الوساطة الإفريقية بالحيادية التامة والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، الأمر الذي عزز من ثقة هذه الأطراف وجعلها تصغي بجد إلى ما يحمله المبعوثون الأفارقة وفي مقدمتهم الإثيوبيون من مقترحات وأفكار، هذه الصفة التي تحلى بها الوسطاء الأفارقة ساعدت على ردم هوة الخوف وعدم الثقة التي سادت العلاقة بين أطراف الأزمة السودانية خلال الأشهر الأولى من سقوط نظام البشير، ومكنت هذه الأطراف من التغلب على حالة عدم الثقة وتجاوز الخلافات، الأمر الذي ساعد على تحقيق النتيجة الإيجابية المتمثلة في التوقيع على الإعلان الدستوري.

بتوقيع هذا الاتفاق تكون قاطرة السودان قد وضعت على القضبان الصحيحة، وجميع الأطراف حتى الآن متفقة على أهمية الدفع بها إلى الأمام وإيصالها إلى محطة السلام المنشود الذي يخدم شعب السودان ومستقبله. صحيح أنه من السابق لأوانه ضمان سلامة سير العربة إلى محطتها المرجوة، لكن ما تم من خطوات حتى الآن يبشر بأن السودان يسير على طريق طي صفحات الماضي التي جثمت على صدور أبنائه ما يقارب الثلاثة عقود، لاقى خلالها شتى أصناف الكبت السياسي والضيق الاقتصادي والاجتماعي.

من المؤكد أنه طالما توافرت النوايا الصادقة لدى مختلف الأطراف السودانية وترجمت النوايا المعلنة إلى أفعال على أرض الواقع، وفي مقدمتها الالتزام بما تم الاتفاق والتوقيع عليه من تعهدات ووثائق، فإن السودان سينجح في اجتياز ما خلفته سنوات النظام السابق، وسيكون قادرا على وضع اللبنات الأساسية لبناء نظام سياسي قادر على إيواء واحتضان جميع أبنائه تحت مظلة الوطن من دون أي شكل من أشكال التمييز الديني أو العرقي، فالوطن ينجح عندما يكون حضنا حقيقيا للجميع. هذا ما نتمناه ونأمل أن يتحقق للشعب السوداني الشقيق، هذا الشعب يمتلك من الإمكانيات ما تؤهله لأن يحقق ذلك، وأن يبني الدولة التي طالما سعت مختلف الأجيال نحو بلوغها وأصرت على ذلك رغم كل الصعاب والتضحيات التي دفعتها ثمنا من أجلها.

 

عبدالله الأيوبي
ayoobi99@gmail.com

التعليقات مغلقة.

فيلم “السودان: الحديد والنار” وثائقي